
لطالما تمنى حمد - البالغ من العمر عشر سنوات - أن يعرف معنى كلمة "انترنت" والتي ظل يسمعها تتردد على ألسنة الكثيرين من حوله دون أن يدرى معناها. لقد كانت الإنترنت بالنسبة له - وهو المولود كفيفاً - شيئاً غامضاً بعيد المنال مثل الألوان التي ظل شغوفاً برؤيتها. رفض حمد أن يتوقف عن الحلم و ظل بداخله الفضول لأن يكتشف عالم الإنترنت الجديد والمثير. وبمساعدة معلميه بمعهد النور للمكفوفين بالدوحة, صار الآن حلم حمد حقيقة وواقعاً ملموساً.
يعمل فريق من المختصين بمعهد النور - من بينهم بعض الأساتذة المكفوفين- على مساعدة أكثر من ثلاثمائة طالب كفيف على العيش باستقلالية واكتساب المهارات التكنولوجية اللازمة لمستقبل باهر أكثر إشراقاً فبفضل تكنولوجيا المعلومات والتطويرات الجديدة فى عالم الويب, صار للكفيف القدرة على استخدام وتصفح الإنترنت بعد أن كان ذلك قاصراً على المبصرين.
عند دخولك معمل الكمبيوتر بالمعهد, لن تلحظ أية أجهزة خاصة بل ستجده كأي معمل آخر وهو ما يفسره شريف حسن - أحد مدرسي الكمبيوتر بالمعهد- بأن برامج الكمبيوتر هي التي من شأنها أن تحقق تسهيل تصفح المواقع الإلكترونية دون الحاجة إلى أية أجهزة إضافية.
ويقول حسن أن هناك نوعين أساسين من برامج الكمبيوتر المستخدمة للمكفوفين. النوع الأول يطلق عليه "قارئ الشاشة" وهو برنامج يقوم بقراءة جميع النصوص المكتوبة على الموقع بصوت عال حتى يتسنى للكفيف أن يفهم ما هو مكتوب بالموقع. أما البرنامج الثاني فيطلق عليه "قارئ برايل" وهو يتيح للكفيف أن يستخدم لوحة مفاتيح تتبع طريقة برايل وتتكون من عدة خلايا بها نقاط بارزة يستطيع الكفيف أن يقرأها من خلال تلمسها بأطراف أنامله. وتعد هذه الطريقة - كما يوضح حسن - أفضل من سابقتها إذ تمكن الكفيف من قراءة واكتشاف محتوى الموقع بنفسه أسوة بأقرانه المبصرين.
وبينما يتيح البرنامجان للكفيف أن يتصفح المواقع الإلكترونية المختلفة, تظل العقبة الأساسية هي في طريقة تصميم الموقع ذاته ومن ثم كانت الحاجة إلى مفهوم جديد يعرف باسم "تسهيل تصفح المواقع الإلكترونية" Web Accessibility وهى مبادرة أطلقتها رابطة شبكة الويب العالمية W3C تركز على أهمية أن تكون جميع المواقع الإلكترونية سهلة الاستخدام والفهم والتصفح لجميع المستخدمين من ذوى الإعاقة. كما تقدم المبادرة عدة إرشادات لمصصمى المواقع الإلكترونية لجعل مواقعهم الإلكترونية في متناول جميع المستخدمين دون تفرقة.
وتقسم المبادرة مدى سهولة استخدام وتصفح الموقع الإلكتروني إلى ثلاثة مستويات رئيسة تبدأ من مستوى "أ" وحتى المستوى الثالث "أأأ" وهو أعلى المستويات. وفى هذا السياق, أعلن المجلس الأعلى للاتصالات عن تطوير موقعه الإلكتروني www.ictQATAR.qaليصل إلى المستوى الثاني" أأ" من سهولة التصفح وذلك فى إطار إيمانه بحق جميع المستخدمين في الوصول إلى التكنولوجياً بصرف النظر عن أية إعاقات لديهم.
وتظل مدى إمكانية وسهولة تجول المستخدم في صفحات المواقع الإلكترونية هي أهم المعايير التي حددتها الرابطة العالمية للويب إذ أن المستخدم الكفيف لا يستعين بالفأرة لتصفح المواقع على الإنترنت, بل يستعين بخاصية الانتقال tab والتي تمكنه- بمجرد الضغط عليها- من التنقل عبر الأجزاء المختلفة من صفحة الموقع. ولهذا يتعين على مصممي الويب الاهتمام بتكويد صفحات مواقعهم بحيث يتم تشغيل هذه الخاصية وبالتالي يتسنى للمكفوفين تصفح الإنترنت بسهولة ويسر.
ويشير حسن إلى أنه يتعين على مصممي المواقع الإلكترونية الانتباه إلى عدد من الأمور التقنية الأخرى خلال تصميم مواقعهم حتى تتوافق مع المعايير الخاصة بسهولة التصفح والتي حددتها المبادرة أولها أن يتم تزويد الموقع بنصوص مكتوبة تقوم بوصف الصور أو الأجزاء المرئية (الفيديو) بالموقع حتى يمكن لقارئ الشاشة أن يقرأها للمستخدم الكفيف. ويظل تصميم صفحة الموقع الإلكتروني بحد ذاته أحد أهم العوامل التي من شأنها أن تساعد الكفيف على استخدامه إذ يجب أن تصمم الصفحة بحيث تسهل عملية قراءة المحتوى سطراً بسطر وهى الطريقة التي يستخدمها برنامج قارئ الشاشة لقراءة محتوى الموقع. أما الجرافيك وأجزاء الفلاش المتحرك, فعلى مصممي المواقع الحد من استخدامها وخاصة الأجزاء المتحركة التي تحتوى بداخلها على روابط لا يمكن قراءتها بواسطة قارئي الشاشة أو برايل.
ويؤكد حسن أن العالم العربي مازال يخطو الخطوات الأولى في مجال تسهيل تصفح المواقع وأمامه الكثير من التحديات أبرزها قلة الوعي في أوساط المستخدمين ومصممي المواقع الإلكترونية بأهمية هذا المفهوم بالإضافة إلى المعوقات المادية إذ أن قارئات برايل مكلفة للغاية بالإضافة إلى العدد المحدود من قارئات الشاشة باللغة العربية, إذ أن صعوبة اللغة العربية - بما فيها من علامات تشكيل قد تعطى عدة معان مختلفة للكلمة الواحدة - قد أدت إلى صعوبة تصميم برامج خاصة قارئات شاشة ناطقة باللغة العربية مقارنةً بمثيلاتها باللغة الإنجليزية.
ويشير حسن إلى أنه لا يمكن مواجهة وتجاوز هذه العقبات في المستقبل إلا عندما تتغير عقلية الناس ويزيد إدراكهم لهذا المفهوم الجديد, فالشخص الكفيف قد لا يستطيع أن يرى ولكنه يستطيع دون شك أن يكون عضواً فاعلاً ومؤثراً في المجتمع وها هي وسائل التكنولوجيا قد جعلت هذا ممكناً.
وكان المجلس - بالإضافة إلى تطوير موقعه الإلكتروني- قد عقد منتدى بعنوان "التكنولوجيا المساعدة للمكفوفين" في الثالث من ديسمبر 2008 لعرض أحدث وسائل التكنولوجيا المصمصة خصيصاً لتناسب احتياجات المكفوفين وتمكنهم من استخدام المواقع الإلكترونية بسهولة ويسر.ويأتي المنتدى ضمن سلسلة من الندوات والمنتديات التي ينوى المجلس عقدها لمناقشة أهمية التكنولوجيا في مساعدة ذوى الإعاقة على التغلب على إعاقاتهم و تحقيق الكثير من تطلعاتهم. لذا, توقع المزيد من هذه الفعاليات في الشهور المقبلة.
- بقلم: مينا ناجى
- ترجمة وتحرير: مينا ناجى